أقف أمام حانة بمقاعد متجعدة أرتطم بها هموم البؤساء .. و أحذية الجنود الثقيلة .. و أعين المتربص على أوراق اليانصيب بين مجازفة وعدّمها
ذهبت للنادل , بل هو ذّهب لي .. فالحقيقة ليس مهم ذلك , الأهم من ذلك بأن الشارع كان ضليع كشيطانٍ متمدد يجرفني للحانة وأنا إنسان بملامح شرّاعية خفيفة , قال النادل في دبلوماسية الجذّب .. هل تحب ؟ .. هل أنت ضابط متقاعد ؟ .. هل شاعر يحمل على يده ثورة وذاته جبل جليد وحول خصره لهيب المنتظرين ويسحب قضايا كغولٍ قذر يعلَّف لحمٍ فاسد وفي يدّه ورقٍ فاسد مملوء بسعال النحيب ومذياع كقبعة هرّمية واضحة يصدر المذياع صوتاً لرجلٍ يضحك بطريقة شريرة (( هذا ... دمع .. ودم و جراذي يصرخون لقبلةٍ لا أهتم لها ولا هيّ أصفاد تلتهم معاصم الورثه من أهلي لعرشي .. يضحك وبدأ يسعَّل بنكاً ومحفظة وقليلاً من المجازر .. وصوتٍ آخر يخرج بسخريةٍ ليقول : أيقتلك التعب !؟ .. ثم يضحك في علّو ويسعَّل أيضاً .. دماً ومجازر .. والكثير من الأشلاء التي تناثرت فوق المنضدة .. تعالت الأصوات في المذياع وكأن التسجيل لجمعٍ غفير ويقولون بصوتٍ واحد : أنه يكحُ نفطاً .. نفطاً خام .. وملأ تشوهوا يرددون : أيها القاضي .. لم نعتصم .. ولم نحتج .. لم نطالب .. ولم نرتدّ كلُّ الأمر يا ناصف الأمر .. بأن هناك زحام بجانب الحيط .. وسمعنا بالفسيح ما وراء الشمس .. يقتلنا الشط حين تتحرك مدارات المد والجذر ويبقى القمر على سراج لا ينطفئ .. أنه يتضاءل كالإنسان .. رغبتنا قبل الولادة هو الإنسان لكلُّ منا لهذا نعشق القمر الذي يشبهنا .. خطيئتنا في جر الجدب لحقولنا .. لجر العطش في حلوقنا .. في عرض كاسات السراب وتقولون أشربوها شوفاً انسين .. أحكم يا ناصف الأمر يا قاضي نُريد العودة أمام مرأى الشمس .. نعدك سوف نمسح عرّق جبيننا ونقول هذه بركة حاكمُنا .. سوف نكمم من الأفواه نصف الحقيقة وندعى نصفها لنقول هذه ديمقراطية حاكمنا .. سوف نعجنّ الرغيف بأكمله في جوف الظلام .. ونقضم أنصافه في وضح النهار .. والباقي منّه لن نخبأه لمجاعةً سوف ننثره للعامة .. للناس .. لكافة الملأ .. ونقول هذا حاكمنا أطعمنا وسقانا .. أنظروا لأنصاف رغيف يومنّا .. أنظروا للآخر في بهوّ بطونا أكبرت بطونا أيها الناقمين على حسن الحكام .. لم تسمنّ من ريحٍ عاتية وصرصر حقائق مخدّشه .. أنها برَّكات الحاكم .. سوف نقول كلُّ هذا أيها القاضي .. لكن دَّعنا نعود .. وبأيمان مغلظة لن تعتقلونا مرّة أخرى في أحلامنا ونحن في خلوة غير شرعية مع حقنا , فالأحلام سيئة جداً نحنُ نعترف لذلك تلصصنا في وهنٍ من حراس الحاكم .. تقابلنا في خفيةٍ مع حقوقنا .. ضربنا بكفوفنا التي لن تهتز بعد ذلك لغيرك تهليلكم ضربنا على منضدة من غيم كفوفنا .. وكنَّا نشجب من غير علن .. وكنَّا نصرخ من غير صوت .. أحدنا حمل معول بلا رأس و الآخر دلوا ماء ملوث .. والآخر لوحة بيضاء مكتوب عليها بالأبيض : احتجاج أبيض .. و الآخر وهو الذي حرضنا هو الذي يجب أن تسرفوا في نَّحتِ لحمه حمل كلُّ الحق تحت لسانه .. ومكاتيب الحق .. و مشى أمامنا و شريانه مملوء بأحاديث قدسية عن فضلُ البارود لوقت البارود .. و وّقت ساعة خطبته العصماء لتنفجر أمام مسامعنا .. وخرجنا مسرعين ونسينا بأننا في حلم .. في طريق من غيم .. تهاوينا أخرجنا مظلاَّت الخوف , وتساقطنا على أوراق حراس الحاكم .. في سرعة مُسكنا .. وتماسكنا ليس بالحق , بل تماسكنا بقبضان الخوف .. لم ينتظروا طويلاً حيَّال اعترافنا قولنا كل شيء .. كل شيء .. بلا لسان الذي أخذوه كعنوان لخطب الحاكم عن ديمقراطية الحديث .. أرجعونا فقط , لنقول أمراً صادقاً لا يعرف الجمع والحشد خبرها .. لنقول شيئاً بمحض إرادتنا .. بالباقي منَّا المهدى لكم فيما بينكم .. قبل أن يهرب وجه شجاعتنا .. قبل أن يتمكن من هدوء أطرافنا طنين الاحتضار .. نقول بأن الناس الذين هم أمثالنا .. الذين طغوا في أحلامهم .. وثملوا في أحلامهم .. وفي كلُّ مرة ينقذهم سرب البجع أحلموا .. واثملوا من زُبد الشطّ .. وعلقوا القناديل كقلادات .. وتحدثوا علناً وتعسفاً واعصفوا بضعف المارة المتعبون والناس كمزامير السيارات وقولوا .. نقلاً منّا .. من جروح أحلامنا .. وترميم جرّاح بتمرير وصايا رجال حاكمنا .. بأن ما وراء الشمس في بلاد حكامنا .. يكون الإنسان إنسان .. عاري في العراء .. يسعى سعياً مشكوكاً غير مشكورا .. في أماكنّ بالأصل وعدنا لها بالأصل .. أماكن متشققة تنزفُ صديدا وصراخا وتضع رؤوسنا سبب اتهامنا .. وتُعصر كيّ يتساقط الحلم السيئ منّها .. أنها لا تتناثر كالزجاج .. ولا يسفّ العظام بعضه ببعض بالألم .. يفرح جلاّد حاكمنا يعيّ بأنها رؤوس ليست خاوية , يعيّ بأنها رؤوس خبيثة تتكسر كل أكاذيب الحكام فيها ككأس ماء , لكن لا يعلم بأنها مملوءة بالشهور المقضيه و المتبقية من ولاَّدة زوجاتنا , مملوءة بترهاتٍ كثيرة .. كصوت أنثى خدّشت السؤال الأول لها بغنج , مملوءة بأريكة حمراء قاتمة وشُرفة تتسع لاثنان يحملون كاسات قهوة ويقول لها والسماء متكأه على غدٍ أفضل لهما يتحسس على شفاها وتتقلص يداه ويكبر سؤاله وحركة شفاهه أيُّ البنادق شفتاكِ يا سيدتي .. هل ليّ بنخب الذخيرة الأولى .. نخبُ اللحظة التي سوف تقتّل بالخطأ ... ييقضي الصباح وسورة العصر والجلاّد يمارس عاداته , يأكلنا بالألم و نتآكل بالمملوءين منَّهُ , في النهاية يعلّم ويعتذر بعدد كل الألم بعدد أزيز الذي ينخر أجسادنا ومفاصلنّا .. يعتذر ونلملم أرقام رحلتنا .. ومذاق الحساء .. والمذكرات التي كتبها البعض على أوراق قضاء الحاجة التي خشى عليها كاتبيها أكثر من خشيتهم سريان الدم الذي تحول فيما بعد على أنصال وشظايا سببُها الترفيه,الذي طالما تحول لهم لمبردة خشب وهشم الدم في الدم , لملمنا أنفسنا كآخر الأشياء وهذا قانون الرحلة بأن أنفسنا يجب تكون آخر الاهتمامات .. أو تعلمنا ذلك .. لا أعلم !! سردنا خطواتنا وصلنا أخيراً بعد باع ٍ و أمتار من الأوامر والصراخ إلى هذا القاضي .. الذي أفتتح محاكمته بابتسامة .. معلن عن دستور ويذَّكر النقاط بالنقاط تلَّفت بالمحكمة .. ابحث عن سبب وجيهاً وغير وجيه لإصطناع القاضي .. لا أغراب في المحكمة .. كراسي تساقطت أذرعتها فنلتقطها جنود كثيرين يتسيدهم كبيرهم هو مألوف من خلال ضجة القلادات على هنّدامه .. يرمقنا بحرص .. أنه مثيرا للضحك وليس الشفقة كما القاضي وليس الشفقة وحدّها , بل النظر إليه كما القراءة في دفتر الشفقة ! ..
ما دواعيّ حرصه .. نحنُ أربعة وخامسنا جرحي .. نلبس على أجسادنا لنّ نقول نلبس بل نعبث على أجسادنا بهندمات رخيصة نسمع في منامتنا طويلة الوجع وقصيرة اللذة صوّت أطراف من سبقونا في العبث بِهم, نسمع قلب ينبض بسرعة كجيش فرّ من معركة .. لماذا يحرص في الشخوص وعيناه التي لم تبكي , و يديهِ التي مكثت أعواماً وأعوام تقبض ولا تصافح , التي مكثت لتهزّ أكتافٍ كثيرة, أيادي في ملامحها لا تعرف الشفقة و أحزن كثيراً حين يذبل الورد فيّها,حتى وأن أصر على لُغة أخرى في المضيّ لن يقطف الكرز و التوت كما نقطفه , سوف يقطف وعناقيد الثمار لن تتزحزح من جمعّها , لطالما قرأت بأن الورد نقطفه بإحساسنا , و عناقيد الثمار بماضينا , وأنا أحزّن لك , وصفة الحُزن لم تنبلج فطرياً لكن التعايش مع الوحدة يجعلك هشّاً , لطالما صففت أحجار مكانيّ ورممت ثقوب الجدار الكهّل و اقتضيت من حِساء يوم الاثنين لأطلي به تقشرّات قضبان الحديد,فهو يحزنني أن أرى الحرية من خلف نافذة حديد مشوهه,أريده جميلاً .. كمّا المطلب. لم ينتهي القاضي من قراءة الدستور للفراغات المملوءة بالهواء , لأنه لم يعد مهماً بالنسبة لنا بعد أن ذقنا هوامش دستور حكامنا, حتى أصدقائي أحدهم بدأ يعبث بقدمه الذي يحملها طفلاً في اليوم الثالث من عمرّه, وآخر يُسرح إنصاته بتعديل جلُوسه ,و الأخير منّا منصت هو مجبوراً على ذلك لأنه حدثني في الممر قائلاً: لن يزيدوا مكوثيّ .. لن أحلم .. لن يعتقلوني كأول مرَّة.
انتهى القاضي من الدستور الذي ظننت بأنه أطول من مُدة مكوثيّ, وحمدت ألله كثيراً بأن لم أكن مسجوناً بين خطابٍ كهذا,خلف الكذبة التي تجدَّل الكذبة خلف التزييف مصاحب التزييف,حمدتُ ألله وكانت هذه المرة الأولى الذي يتلوا خيراً شراً,وحسبتُ ترقبي خيراً.
وحين قُدمت الأدلة والبراهين ومحضر الحلم وعلموا بأن هذه ليست سابقةٍ ليّ,وقصوّا لي من يجب أن أكون, وحملوا مرآة كيّ أخاطبُ نفسي منافياً فأصبحتُ أردد قسّم الحاكم : من أنت !؟ .. لا أعرفك .. أنت الشيطان .. خليطاً من ألم ورجلاٌ شريف .. من أنت !؟ .. لا أعرفك .. أنت سقوط .. أنت جذَّع أثل .. خليطاً من إصرار فأس ولّهب الحطب .. من أنت !؟ .. لا أعرفك .. أنت زنديق .. خليطاً من رهبانية مريم العذراء ولوحة العشاء لأخير .. من أنت !؟ .. لا أعرفك .. أنت إرهابي .. خليطاً من رغيف نوويّ و قصائد عنقودية .. من أنت !؟ .. لا أعرفك .. أنت كامل العبء .. خليطاً من سكارى لا يدفعون مديونيتهم التي يطالب بها نادل الحانة وساذج لم يحذر من فتاة بيضاء استدرجت غلّو احتفاءه بها وشق عباب نهرها الحيّ بعصّا طيشها فغرق .. من أنت !؟ لا أعرفك ..انتهى القسم وتصحرّت بالداخل .. خرجت مهرولاً , خرجت مسرعاً لأول مرة خطواتي تتقدم كمسافة هكذا , في سيرٍ قصيراً كمسافة ..(حتّى) وأتعب ويتدلى لساني الذي اكتسى باللون الشحوّب,خرجت وكلُّ تفكيري في مهبّ الريح, خرجت كأول مرة طائشاً كقدّ خيمة لم تعضّ عليها أوتاد الرحالة جيداً ويظفر بها حضن الريح الذي شاخّ من وحدته, خرجت ولم أفكر في نساء يجابهون القمر على مرأى القمر بقصائد عن الجمال ولم أفكر في أُمي الذي يلتهب قميصها مع رائحة البُرتقال , لتخبأ لي في ساعة نضوجه قليلاً منه,لتنزوي في هدوءٍ لا يتقنه سوى الأمهات تقترب أنها رائحة الطمأنينة .. وليسقط الترقب .. فليسقط الخوف .. في هتافٍ أطبعه على الورق , أتأمل الباب .. يظهر صوت فاضحاً الهدوء أتجاهل بتعمد , اثبت المفاجئة .. الأمهات لا يقابلونا باللهب .. لا يقابلونا بالشرّ أبداً .. ينفتح الباب وفي أيدي أُمي البرتقال الذي قرّبته بين عينيه تقربه ليّ وأمازح ملامحها المتجعدة .. ملامحها المستكينة كغفوة النوارس على موانئ العودة والعودة .. الموانئ التي لا يوجد فيها مركباً راحلاً هكذا هيّ ملامح أمي لم أتذكر أيُّ رحيلٍ حين أراها !